مجمع البحوث الاسلامية

555

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ومن الأدلّة الّتي تؤيّد فلسفة هذا الموضوع ، أنّه في المعاهدات الّتي كانت - في صدر الإسلام أو الحكومة الإسلاميّة - بين المسلمين وأهل الكتاب في شأن الجزية ، في تلك المعاهدات تصريح بأنّ على أهل الكتاب أن يدفعوا الجزية ، وفي قبال ذلك على المسلمين أن يمنعوهم - أي يحفظوهم - وأن يدافعوا عنهم إذا داهمهم العدوّ الخارجيّ . وهذه المعاهدات كثيرة ، ونورد مثلا منها ، وهي المعاهدة الّتي تمّت بين خالد بن الوليد مع المسيحيّين الّذين كانوا يقطنون حول « الفرات » . نصّ كتاب المعاهدة : هذا كتاب من خالد بن الوليد لصلوبا بن نسطونا وقومه ، إنيّ عاهدتكم على الجزية والمنعة ، فلك الذّمّة والمنعة ، وما منعناكم فلنا الجزية وإلّا فلا ، كتب سنة اثنتي عشرة في صفر « 1 » . والّذي يسترعي النّظر هو أنّنا نقرأ في هذه المعاهدة وأمثالها أنّه متى ما قصّر المسلمون في الحفاظ على أهل الذّمّة أو لم يمنعوهم ، فالجزية تعاد إليهم أو لا تؤخذ منهم عندئذ أصلا . وينبغي الالتفات إلى هذه المسألة ، وهي أنّ الجزية ليس لها مقدار معيّن ، وميزانها بحسب استطاعة الّذين يدفعونها ، غير أنّه ممّا يستفاد من التّواريخ أنّها - أي الجزية - مبلغ ضئيل ، وهذا المبلغ لا يتجاوز الدّينار « 2 » . في السّنة ، وربّما قيّد في المعاهدة أنّ على دافعي الجزية أن يدفعوا بمقدار استطاعتهم جزية . ومن جميع ما تقدّم ذكره يتّضح أنّ جميع ما أثير من شبهات أو إشكالات في هذا الصّدد ، باطل لا اعتبار له ، ويثبت أنّ هذا الحكم الإسلاميّ حكم عادل ومنصف . ( 5 : 534 ) الوجوه والنّظائر الحيريّ : « الجزاء » على وجهين : أحدهما : القضاء ، كقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ * الآية ، في موضعين البقرة : 48 ، 123 . والثّاني : الثّواب ، كقوله : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * السّجدة : 17 ، والأحقاف : 14 ، والواقعة : 24 ، وقوله : جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ فصّلت : 28 ، وقوله : جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ القمر : 14 ، أي جزاء لنوح بما كفروا به . ( 172 ) الفيروزاباديّ : « الجزاء » وهو الغناء والكفاية والمكافأة بالشّيء ، وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ . وقد ورد في القرآن على ستّة أوجه : الأوّل : بمعنى المكافأة والمقابلة وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى الّيل : 19 ، أي تقابل . الثّاني : بمعنى الأداء والقضاء وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً البقرة : 48 ، أي لا تقضي

--> ( 1 ) نقلا عن تفسير المنار ، ج 10 ، ص 294 . ( 2 ) من المناسب أن أشير إلى أنّ المقصود بالدّينار ليس هو الدّينار المتعارف بيننا ، كالدّينار العراقيّ أو الدّينار الأردنيّ أو الدّينار الكويتيّ وهلمّ جرّا ، بل هو الدّينار الذّهبيّ الّذي يعادل مثقالا ونصف أو أدنى من ذلك بقليل .